هلاك الانقلابيين في أقرب حين سنة الله في الأولين

  • بتاريخ : 2013-03-10
  • مرات القراءة : 525
هلاك الانقلابيين في أقرب حين سنة الله في الأولين

في رحاب آية

د. يونس الأسطل

(هلاك الانقلابيين في أقرب حين سنة الله في الأولين)

 

]وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا وَإِذاً لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً * سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً[(الإسراء 76-77)

    كلما أهلَّ العام الهجري الجديد انعقدتْ عشرات الحلقات التي تتحدث عن دروس الهجرة النبوية وعِظاتها ، غير أن الأكثرين يركِّزون على تَتَبُّعِ السرد المدوَّن في كتب التاريخ والسيرة.

    وفي هذا المقال أتناول هذا الموضوع ، ولكنْ في التوظيف القرآني لهذا الحدث العظيم، فقد كان نصراً عزيزاً من وجوه عديدة ، ولعلَّ هذا هو السبب في وقوع الإجماع عليه ليكون مبتدءاً للتاريخ الإسلاميّ، على الرغم من كثرة أيام الله التي أنعم بها علينا؛ كيوم الفرقان يوم التقى الجمعان ، أو يوم الخندق ؛ إذْ ردَّ الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً ، أو يوم الحديبية الذي كان فتحاً مبيناً ، وقد رضي الله فيه عن المؤمنين إذْ يبايعونك تحت الشجرة وهم أذلة على الثبات والموت في سبيل الله ، وغير ذلك من الأحداث ؛ فقد نصركم الله في مواطن كثيرة .

    إن الهجرة كانت فرقاناً بين مرحلة الدعوة ، ومرحلة الدولة ،فقد أَخْرَجَنا بها ربنا مُخْرَجَ صدق ، وجعل لنا من لدنه سلطاناً نصيراً ، فانتقلنا من الاستضعاف إلى القوة ، ومن العذاب الهُونِ إلى العزة والتمكين، وقد حُوْصِرَ المؤمنون في مكة ، فكانت المنعة والإيواء في المدينة كَسْراً لذاك الحصار، وعثوراً على الأنصار الذين يحبون من هاجر إليهم ، ولا يجدون في صدورهم حاجةً مما أُوتُوا ، ويؤثرون على أنفسهم، ولو كان بهم خصاصة.

    إن أكبر الانتصار هو ما يحققه الإنسان مع نفسه الأمَّارة بالسوء ، المتثاقلة إلى الأرض ، القائلة : ذَرْنَا نكنْ مع القاعدين؛ ذلك أن الله عز وجل لا يُغَيِّرُ ما بقوم حتى يُغَيِّرُوا ما بأنفسهم ، و قد ترك المهاجرون كلَّ شيءٍ ؛ حتى سماهم القرآن بالفقراء المهاجرين الذين أُخْرِجُوا من ديارهم وأموالهم ،فلم يكنْ شيءٌ أحبَّ إليهم من الله ورسوله ، وجهادٍ في سيبله ، فخرجوا يبتغون فضلاً من الله ورضواناً ، وينصرون الله ورسوله ، فصدقوا بذلك ما عاهدوا الله عليه.

    أما آية المقال فهي نازلة قبل الهجرة لتنذر قريشاً بأساً شديداً من الله ؛ لو أخرجوا نبيَّه مِنْ أحبِّ البلاد إلى الله ،ثم إلى رسوله ؛ فإنهم لن يلبثوا بعده إلا قليلاً ، وإن البطش بهم هو سنة الله في الذين خَلَوا من قبل ، ولن تجد لسنة الله تحويلاً.

    وقد أَخْرَجَتْ قريش نَبِيَّها والذين آمنوا معه ، فهل أخذهم ربُّهم بسنته في الأولين ؛ لننظر كيف كان عاقبة المكذبين؟.

    إن الله عز وجل قد نَعَتَ يوم بدرٍ بالبطشة الكبرى ، وبأن أبا جهل ونَادِيَه قد أَحَلُّوا قومهم دار البوار ، فقد أخرجهم ربهم من مكة إلى مضاجعهم ،حين خرجوا من ديارهم بطراً ورئاء الناس ، ويصدون عن سبيل الله ، وما كاد يلتقي الجمعان ، ويلتحم الفريقان ، حتى ذهب سبعون من ملئهم صرعى ، ومِثْلهُم معهم من الأسرى ، فريقاً تقتلون ، وتأسرون فريقاً ، ولم يكن بين إخراجهم الرسول وإياكم وبين أخذهم بتلك السُّنَّة الربانية إلا عام ونصف العام ؛ حيث وقعت معركة بدر في رمضان من العام الثاني، وكانت هجرته عليه الصلاة والسلام في ربيع الأول من العام الأول ، ولم تكن تلك الأشهر الثمانية عشر فترة طويلة في عمر الشعوب والقبائل ؛ وقد أذاق الله عز وجل قريشاً من قبل لباس الجوع والخوف بالسرايا التي كانت تستحوذ على قوافلهم ، فتقتل رجالها ، وتغنم أموالها.

    وقد أخذ المولى عز وجل بهذه السنة فرعون من قبل ؛ حين أراد أن يستفزَّ بني إسرائيل من الأرض ، فأغرقه الله ومن معه جميعاً ، وأخرجه من جناتٍ وعيون، وزروعٍ ومقام كريم ، كذلك وأورثها قوماً آخرين ، فما بكتْ عليهم السماء والأرض ، بل أًُتْبِعوا في هذه لعنةً ، ويوم القيامة هم من المقبوحين، ومن هنا فلا غرابة أن تَعْقِدَ سورة الأنفال شبهاً بين قريش وآل فرعون الذين كذَّبوا بآيات ربهم ، فأهلكناهم بذنوبهم ، وكلّ كانوا ظالمين.

   إن التهجير والإخراج ليس محصوراً في صورة الترحيل والإبعاد، فهناك الإخراج من العلم إلى الجهل، ومن العزة إلى الذلة، ومن الوحدة إلى الفُرْقة ،ولكن الذي نعانيه في واقعنا هو محاولة طائفة من بني جلدتنا زحزحة الشعب الفلسطيني عن خيار المقاومة؛ بتجويعه لتركيعه؛ وذلك بالالتفاف على الخيار السياسي الذي بايع فيه حركة المقاومة الإسلامية على التغيير والإصلاح؛ لكن المفسدين مصرون على إخراج هذه الحكومة من مقاعد المسؤولية ؛ بدءاً بسحب الصلاحيات ، وانتهاءً بالانقلاب العسكري.

    ومع اعتقادي الجازم أنهم لن يفلحوا في ذلك؛ فقد حِيْلَ بينهم وبين ما يشتهون في الأشهر العشرة الماضية، ونحن اليوم أصلب عوداً من قبل، ومع ذلك فلو سَلَّمنا جدلاً أن أولئك الانقلابيين سينجحون فيما فيه يرغبون، وله يكيدون؛ فإن هذه السُّنَّة ستقصمهم؛ وإنهم آتيهم عذاب غير مردود، ولن يتراخ كثيراً؛ حتى لو لبثوا منقلبين بضع سنين، ولن يخلف الله وعده،  ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين .

   إن مؤامرة إسقاط الحكومة سوف تُسْقِطُ الساقطين أولاً، فالمكر السَّيِّئُ لا يحيق إلا بأهله، وقد جعل الله عز وجل في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها، وما يمكرون إلا بأنفسهم، وما يشعرون.

إن القرآن الكريم قد اتخذ من جريمة الإخراج مادة للتعبئة وقطع الولاء للأعداء، ثم للتهييج والتحريض على قتالهم ، وإخراجهم من حيث أخرجوكم ، خاصة وأن المنافقين والكافرين نهج واحد في القَسَمِ ليخرجن الأعزُّ منها الأذل، يعنون بذلك أنفسهم ، وأما المؤمنون فهم في نظرهم الأذلون ، أو الأرذلون ، ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ، ولكن المنافقين لا يعلمون .

    أما قطع الولاء للأعداء فقد تكفلت به سورة الممتحنة؛ إذْ عاتبت حاطباً بن أبي بلتعة في رسالة بعث بها لرجال من قريش يخبرهم بعزم الرسول على فتح مكة ، فاستهجن ربنا هذا الولاء منه، وقد كفروا بما جاءكم من الحق، يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم ،وقد أكدت بأن النَّهْيَ منصرف إلى الذين قاتلوكم في الدين ، وأخرجوكم من دياركم ، وظاهروا على إخراجكم .

    وأما استفزاز العزائم لقتالهم ففي قوله سبحانه  ]أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ [( التوبة 13)

    والآيات في هذا عديدة، وإنه مهما كانت قوة الأعداء كبيرة فلن يعجزوا الله في الأرض،و لن يعجزوه هرباً ، فقد قال الله تعالى لنبيِّه.

    ]َوَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ[( محمد 13)

    إنه إذا كان قوم لوط قد تواصوا بإخراجه وأهله لأنهم قوم يتطهرون؛ فإن هذا هو السر في  محاولة إبعاد الحركة، و مؤامرة إفشال الحكومة، فهم قوم يتطهرون من الفواحش والفساد الإداري والمالي ، ومن الاعتراف بالاحتلال وشرعيته ، وغير ذلك مما توحَّل فيه الآخرون، أو تدنس به المنافقون.

    وإذا كان قوم شعيب قد أمروا بإخراجه والذين معه من قريتهم، أو يعودون في ملتهم ، فإن جوابنا : " قد افترينا على الله كذباً إن عدنا في ملتكم بعد إذْ نجانا الله منها" ؛ أعنى العلمانية التي تقود إلى الارتماء على أعتاب الأعداء، فقد أوحى الله إلى النبيين لنهلكن الظالمين ، ولنسكننكم الأرض من بعدهم ، ذلك لمن خاف مقامي، وخاف وعيد.

وما ذلك على الله بعزيز

 

وجوب البطش بمن أَرْدى الشهيد فادي البطش وجوب البطش بمن أَرْدى الشهيد فادي البطش
مشاهدات : 116 ، بتاريخ : 2018-04-29

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .