هل النكسة في ضياع بواقي فلسطين أو الوكسة في تأليه المال وتنصيب المفسدين

  • بتاريخ : 2013-03-10
  • مرات القراءة : 697
هل النكسة في ضياع بواقي فلسطين أو الوكسة في تأليه المال وتنصيب المفسدين

في رحاب آية

د. يونس الأسطل

 

( هل النكسة في ضياع بواقي فلسطين أو الوكسة في تأليه المال وتنصيب المفسدين )

 

]  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ   [

(التوبة: 28 )

حصلت بعض المفاجآت في مباحثات تشكيل حكومة الكفاءات، ومنها طَرْحُ اسم سلام فياض رئيساً لها، وفي أسوأ الأحوال وزيراً للمالية، وحجة المستمسكين به أن هذا (الزلمة) هو مفتاح المال، فالدول المانحة قد لا تقبل بالتعامل مع غيره، وقد تتعرض الحكومة للحرمان إذا لم يكن رقماً صعباً فيها، وهو وجه مقبول صهيونياً، وهم يريدون حكومة تنجح في مَهَامِّها، لا أن تواجه العزل والحرمان.

وزاد الطين بلة أن فياض نفسه راح يخيفنا من عواقب الزهد فيه بأن على رئيس الوزراء المرتقب أن يتدبر أمر المديونية من الآن؛ فإن ديون السلطة قد صارت أرقاماً فلكية، فهي لا تقل عن ملياري دولار.

لذلك فإنني أتساءل مع الباحث الاقتصادي عمر شعبان عن سَرِّ الكشف عن هذا الدَّيْن الآن؟، ولماذا جرى التكتم عليه سابقاً؟، ولماذا سمح الفيلسوف فياض بتضخم القروض إلى هذا الحد؟، ولماذا استدان ابتداءً؟، وأين ذهب هذا المال؟، وكيف ينسجم هذا التصريح مع ما تباهى به مراراً من أن عام 2013م سيشهد الاستغناء عن المنح المسيَّسة، وأنه سيحصل فيه الاكتفاء الذاتي بما بناه من المؤسسات الاقتصادية والمناخ الاستثماري؟، ولعل الأهم من ذلك هو السؤال عن ضمانات ألَّا ترتفع المديونية إلى أربعة مليارات في عهده الجديد إذا جلس على خازوق الحكومة مجدداً – لا قدَّر الله-؟

وقد يكون من المفيد أن نذكر أن الحكومة العاشرة في عام 2006م قد ورثت مديونية مقدارها 1883 مليون دولار، وأن المرجح أن فياض يتحدث عن ديون جديدة بعد الحسم في وسط 2007م، فيكون الشعب الفلسطيني مديناً بأربعة مليارات الآنَ الآنَ، وليس غداً.

إن مما يشهد بصحة ذلك أن فياض قد فُرِضَ على السلطة منذ عام 2002م فتكون المديونية الأولى التي صُدِمَتْ بها الحكومة العاشرة قد تراكمت في أقلَّ من أربع سنين، وقد مضى على الحسم أربع سنوات أخرى، فيكون فياض يسير على نفس الوتيرة من البذخ والإنفاق بغير حساب، لاسيما على المستشارين العرب والأجانب الذين تصل رواتب بعضهم إلى عشرة آلاف دولار شهرياً، وهم يضعون رِجْلاً على رِجْلٍ، ولا يعترفون بالأزمة المالية؛ فإن رواتبهم تركض إليهم في مواقيتها، خاصة إذا علمنا أنها أزمة مفتعلة؛ إذ الرواتب منتظمة منذ أكثر من ثلاث سنين، فما الذي دهاها في شهر المصالحة؟ وقد خاب مَنْ دَسَّاها، حتى لو كان لا يخاف عقباها!!.

إن النكسة أو الطامة ليستْ في ضياع باقي فلسطين، مع قضم أضعاف ذلك من البلدان المحيطة بها في عام 1967م؛ إنما المصيبة التي من العسير أن نشتكيها أو نبكيها هي أن يتصدر الرويبضات في هذه السنوات الخداعات، فَيُحِلُّوا قومهم دار البوار، وما أمر فرعون برشيد، يَقْدُمُ قومه يوم القيامة، فأوردهم النار، وبئس الورد المورود، وأُتْبِعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة، بئس الرِّفْدُ المرفود،؛ أي بئس العطاء الذي رَفَدَتْ به القيادات شعوبها، شقاءً في الدنيا، وناراً تَلَظَّى في الآخرة.

أما آية المقال فإنها تطمئن المتخوفين على الأرزاق عند التزام الأحكام، والتشبت بالثوابت، أن الله الذي له خزائن السموات والأرض سوف يغنيكم من فضله إن شاء؛ أي إذا أخذتم بأسباب الرزق، ومشيتم في مناكبها متوكلين عليه  تبارك وتعالى.

ذلك أن سورة التوبة كانت قد نفت أن يكون للمشركين حقٌّ في أن يعمروا المسجد الحرام بالحج أو بالعمرة مجاهرين بالشرك، وقد جاءت هذه الآية لتأمر بالحيلولة دون وطء أقدامهم أرض الحرم بعد العام التاسع للهجرة الذي تنزلت فيه سورة التوبة بالبراءة من المشركين، وقد أضافت علة أخرى للمنع غير الشرك، وهي النجس، وذكرت ذلك بصيغة الحصر (إنما)؛ لتزيل أي لبس في الْتصاق هذه الصفة بهم، حتى لكأنهم لا صفة لهم غيرها، وهذا ليس مستهجناً؛ فإن المشرك خبيث النفس؛ لأنه يعبد الرجس من الأوثان؛ فضلاً عن أنهم لا يستنزهون من النجاسة والآثام.

إن الله جلَّ وعلا لم يشأ أن يزعج بعض المؤمنين بهذا القرار، فإن المشركين كانوا يجلبون معهم الأقوات والسلع إلى المواسم، فتقوم الأسواق في مكة، ويرزق الله الناس بعضهم من بعض، وقد جعل الكعبة البيت الحرام قياماً للناس، كما رفع الحرج عن المُحرمين أن يبتغوا فضلاً من ربهم، شريطة أن تكون النية للحج ابتداءً، ولا جناح عليهم بعد ذلك أن ينتهزوا الموسم للتكسب؛ فإذا تخوف أحد من تأثر الموسم سلباً بمنع المشركين من الدنو من الحرم؛ فإن الله تعالى يَعِدُهُم بأن يفتح لهم أبواباً أخرى، وإنه كان وعده مأتياً، ومن أصدق من الله حديثاً؟!.

إن الآية التالية لآية المقال قد أوجبت قتال أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يَدٍ وهم صاغرون، والمقصود بها قتال النصارى الرومان، ومن كان على شاكلتهم من العرب في الشام وأطراف الجزيرة كالغساسنة، خاصة وأن هذه الآية قد نزلت بعد أن فرغنا من قلع شوكة اليهود في المدينة وخيبر وما حولها.

لذلك فقد زحف إليهم النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة العسرة في ثلاثين ألفاً؛ ليقاتل مائة ألف من بني الأصفر، ومثلهم معهم من متنصرة العرب، غير أن الله جل جلاله قد نصرنا عليهم بالرعب مسيرة شهر، فما كدنا نصل تبوك حتى تقهقر الروم إلى أعماق الشام، واستسلم الغساسنة، فضربنا عليهم الجزية، وكانت أول تحقيقٍ لوعد الله بإغنائنا من فضله، فقد آبَ الرسول والذين جاهدوا معه غانمين منتصرين دون أن تراق قطرة دم واحدة، وكان نصراً عزيزاً، وقد فتح الطريق إلى فلسطين بجيش أسامة فيما بعد، ثم باليرموك.

ومن عجائب القدر أن يكون ذلك القرار دافعاً للمشركين إلى الدخول في الإسلام، فعادوا إلى الموسم طاهرين من الشرك والقاذورات المعنوية والحسية، بل إن التجارة صارت أضعافاً مضاعفة بدخول الناس في دين الله أفواجاً، وزيادة عدد الحجيج أضعافاً كثيرة، فضلاً عن أن جميع أهل مكة قد أضحوا مؤمنين أتقياء، فصاروا من أهل هذه الآية من سورة الأعراف.

" وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ .." الآية (96)؛ أي لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم.

وكذلك قوله تعالى من سورة الطلاق:

".. وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ .." الآية (2)

إن الحسابات المالية في آخر سلم الموازنات في الإسلام، فإن أهم شيء عند الله هو الأفعال المتعلقة بالدِّين، يتلوها الحفاظ على النفوس، ثم العقول، ثم الأنسال، وأخيراً الأموال.

لذلك فقد نَعى على الصحابة يوم بدر أن يختلفوا في الأنفال؛ فإن صلاح ذات بينهم أعظم من الدنيا وما فيها، كما أنكر عليهم أن يَوَدُّوا أن غير ذات الشوكة تكون لهم، ثم كان العتاب والتهديد بالعذاب؛ حين آثروا الفداء على الإثخان في شأن أسرى بدر.

ولقد أنحى بالتوبيخ على المنافقين الذين كانوا يكرهون فتياتهم على البِغاء، مع رغبتهن في التَّحَصُّن، ليبتغوا بذلك عرض الحياة الدنيا، بل قد شدَّد النكير على بعض الصحابة كانوا في غزوة، فمرَّ بهم راعٍ، وطرح عليهم السلام، فقالوا: ما فعلنها إلا تُقاةً من القتل، فقاموا إليه، فما كان منه إلا أن نطق بالشهادتين، لكنهم قتلوه، واستاقوا، أنعامه فغضب النبي عليه الصلاة والسلام غضباً شديداً، وتساءل كيف يصنعون إذا جاءت (لا إله إلا الله) تنافح عن صاحبها يوم القيامة، فَهَّلا شققتم عن قلبه؛ لتعرفوا هل قالها صادقاً أم تقية؟!!.

ولذلك فإننا نقول للذين يتقلبون في الديون، ويقبلون أموال المانحين ثمناً لدماء المجاهدين يا ويحكم من مصير أبي لهب، فما  أغنى عنه ماله وما كسب؛ فإن المنافقين لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً، أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون، يوم يحمى عليها في نار جهنم، فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم، ولن يقبل من أحدهم مِلْءُ الأرض ذهباً، ولو افتدى به.

وأخيراً هل الصحيح أن نظل مرهونين لسلام فياض والديون؛ أم نُرَمِّمَ اقتصادنا، ونرصُّ صفوفنا، ونُنْجِحَ المصالحة بالتخلص من المتسلقين والمفسدين، ثم نتوجه إلى أمتنا، مع التوكل على الله، واليقين بالفرج القريب؟!!.

 

والله من ورائهم محيط

(الإيجاز النافع فيما في الحج من المنافع) (الإيجاز النافع فيما في الحج من المنافع)
مشاهدات : 621 ، بتاريخ : 2013-03-10

التعليقات :

لا يوجد تعليقات حتى هذه اللحظة .

أضف تعليقك
تأكد من تعبئتك لكافة الحقول المطلوبة بالأعلى !!
تم اضافة التعليق بنجاح وسيتم عرضه بعد موافقة ادارة الموقع، شكرا لك .